أبو حامد الغزالي
47
محك النظر
وأصبح القياس في تحاليله إسلاميّا من دون أن يغفل بعض الأمثلة الطبيعيّة والفلسفيّة « 1 » من التي وردت في المعيار والمقاصد . وبهذا انقلبت الأدوار ، فقد طعّم المعيار بأمثلة فقهيّة ولغويّة . بينما طعّم المحكّ بأمثلة منطقيّة وفلسفيّة . وتميّز الغزالي في عرضه الأشكال الثلاثة بربطه شروط الشكل بشروط اليقين ومادّة المقدّمات ، وخصوصا في المجالات الفقهيّة . « فإن نازعك الخصم في قولك كلّ مسكّر حرام فإثباته بالنقل ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كلّ مسكّر حرام » فإن لم تتمكّن من تحقيق تلك المقدمة بحسّ ولا غيره ، ولا من إثبات الثاني بنقل أو غيره ، لم ينفعك القياس . . . » « 2 » . ولم يوفّر الإمام التعابير البديلة بالموضوع والمحمول ، فتارة استخدم المحكوم عليه والحكم وأخرى استعمل الموصوف والصفة « 3 » ، وطورا الخبر والمبتدأ « 4 » . ونال الإثبات والنفي حظّا من ذلك واستبدلهما بالإيجاب والسلب . وكانا قد وردا في معرض ذكره شروط النظم الأوّل والثاني . أمّا الإيجاب والإثبات فيدلّان على حكم مؤكد ثابت بالاقتصاد لا يحتمل النفي ، ويأخذ دلالة الحدّ بالحدّ الآخر . ف « الإيجاب أقوى من الاقتضاء ، لأنّه إنّما يستعمل في ما إذا كان الحكم ثابتا بالعبارة أو الإشارة أو الدّلالة » « 5 » . أمّا « الإثبات فهو الحكم بثبوت شيء لآخر - وله معنى الإيجاب نفسه - . . . ويطلق على العلم إثبات المعلوم على ما هو به « 6 » . وطغى الإيجاب والقضيّة الموجبة على المعيار والمقاصد . بينما ظهر الإثبات في المحكّ ومقدّمة المستصفى . وعلى الرغم من كون الإيجاب والإثبات يشكلان معنى
--> ( 1 ) الغزالي ، المحكّ ، ص 31 ، ص 32 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 33 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 33 . ( 4 ) المصدر والصفحة نفسهما ، والمعيار ص 71 . ( 5 ) الجرجاني ، التعريفات ، ص 28 . ( 6 ) الكفوي ، الكليّات ، ص 13 .